|
بحضور والده وزوجته وبعض رفاق دربه، باح زهير النوباني بتفاصيل صغيرة لازمت سنوات حياته منذ ولادته إلى أن شارف على الستين، حتى أصبح نجماً عربياً كبيراً في المسرح وفي الدراما التلفزيونية والإذاعية . تحدث “النوباني” خلال جلسة تكريمية نظمها أحد المقاهي الثقافية الشعبية وسط عمان عن علاقته مع الأجواء الريفية وبيعه الكعك في طفولته، واضطراره إلى النوم خلف كواليس المسرح للتوفيق بين هوايته ودراسته، وفصله من الجامعة وهو على أعتاب التخرج لأسباب سياسية، قبل إعادته إلى مقاعد المحاضرات، كما تحدث عن رحلته الفنية الحافلة بأحلام “مجهضة”، ونجاحات مبهجة .
تصدر النوباني أدوار البطولة الرئيسية الأولى في جميع أعماله خلال النصف الثاني من مشواره الفني المناهز أربعة عقود، بدأ بثلاث جمل فقط ضمن النسخة الأصلية لمسلسل “نمر بن عدوان” مطلع سبعينات القرن الماضي عقب إطلالة سبقتها على المسرح، حيث ظهر تلفزيونياً حاملاً دلة قهوة ومرددا: “أمرك طال عمرك”، “فالك طيب” و”حاضر يا عمي” التي راجت بين المشاهدين تالياً، من دون أن يتابعوا “شوت” بكاء الخادم المنفعل على وفاة مخدومه، لأن المخرج لم يصوره أساساً .
يستذكر النوباني: “كنت أبحث عن مكان في مجال أحبه، وحرصت على سؤال أصحاب الخبرة عن مستواي، وملاحظاتهم، تطلعاً إلى التعلم منهم وفوجئت بأن أحدهم اكتفى بالتعليق على شكل عيني اليمنى، ووجد ذلك حاجزاً أمام استمراري على الشاشة” .
حينها، كان يفكر “النوباني” في إجراء عملية جراحية لتصحيح “كسر القرنية” الذي لازمه منذ طفولته بسبب علاج بدائي عقب التهاب الحدقة الناتج عن لهوه بالتراب، وتأثير ذلك في وضوح النظر بتلك العين، لكنه تراجع وصار يفتحها بثقة بدل إغلاقها ومضى في ميدان المهنة، حتى سمع بأذنه بعد سنوات كلاماً مؤداه مساهمة حالة “الحول” في حضوره، وتفوقه، لأنها ميزة، منحته اختلافاً عن سواه!
ربما تلك كانت أبسط المعضلات والإحباطات التي اعترضت درب “النوباني”، حيث خسر ذات مرة، كل ما يملك مادياً في سبيل تحقيق مشروع فني لم يكتمل، وانسحب من شركة إنتاج بعدما لمس سعياً غير مناسب للربح على حساب الجودة، واصطدم بوقف أحد عروضه بداعي إمكانية إثارة الشغب، وحصل على مبلغ زهيد في نهاية مشاركة يومية في أهم مهرجان محلي، وعثرات غيرها” .
ويربط “النوباني” بين ما وصل إليه حاليا، وعلاقته بمعطيات الزمن الجميل، استنادا على ولادته في قرية “اللبن الشرقي” الفلسطينية، وانتقاله مع أفراد أسرته عقب ستة شهور وللسكن في شارع مطران في الأردن، ثم عودتهم للمكوث سنة في قرية “قريوت” قضاء نابلس مسقط رأس والدته، وانطلاقهم جهة عمان مجدداً وتحديداً في محيط منطقة جبل القلعة، وتجواله بين أجواء ريفية يعشقها، ويزورها حتى اليوم، وولعه الشديد بشراء الحلوى الذي علمه الاعتماد على نفسه منذ الطفولة، حيث تحول من مجرد زبون لأحد باعة الكعك الجائلين، إلى “بائع صغير”، يتذوق طعامه المفضل، ويجري ناحية أمه لإعطائها مردود ما يجنيه من نقود قليلة .
وفي عمان، التحق بمدرسة ابتدائية إلى جوار المدرج الروماني، وواكب إدمانه على مشاهدة العروض في دور السينما، بحكم انخراطه في مهن مقارها مجاورة، منها “مساعد خياط”، و”خضرجي”، وعامل في مطبعة، واقتنص فرصة أولى لأداء مشهد صغير، حين دعاه معلم اللغة العربية في الصف السادس إلى تقمص دور صاحب بقالة، فلم يتردد في إنجازه ومحاولة إخراجه إلى جانب زميله، وفي المرحلة الإعدادية، طالع للمرة الأولى خشبة المسرح، حيث تابع بترقب شديد تقديم فرقة كشفية عرضاً طلابياً، ومن حينها، شعر بجاذب كبير، صوب التمثيل .
أنهى “النوباني” المرحلة الثانوية في القسم العلمي بنسبة 89%، ولم يرغب في مواصلة تخصص الطب ضمن جامعة دمشق، حيث أراد والده، فأقنع الأول الثاني بتسجيله في الجامعة الأردنية وفق مجال الإدارة العامة والعلوم السياسية، انتظارا لورود اسمه في سجلات المنح الخارجية، وكان يتمنى في قرارة نفسه أن لا تأتي المنحة حتى لا يغادر وطنه، وحلمه، لكنها جاءت في سياق الهندسة المعمارية، ورحل فعلاً إلى الخرطوم من دون أن يستمر بعيدا أكثر من ثلاثة شهور عائداً أدراجه، وظل يتنقل بين وظائف وحرف ليكسب من عرق جبينه، ويعقب مشيرا إلى أبيه: “لم أكلفه مصاريف مرهقة، في ظل تحمله مسؤولية أشقائي وشقيقاتي، لكنه منحني الحب، والتربية الملتزمة، وقول كلمة الحق بلا خوف” .
بعد إنجازه متطلبات القيد والقبول في الجامعة الأردنية، قرأ “النوباني” إعلاناً في الأروقة الداخلية يدعو للانضمام إلى عمل مسرحي يقوده المخرج المعروف هاني صنوبر، وفعلاً حجز دور رجل مسن، وبعدما أثبت وجوده، استقطبه “صنوبر” ضمن كوادر تأسيس أول فرقة مسرحية محلية عام ،1969 ومن هناك، انطلق في مشروعات فنية لاحقة، لكن الطريق لم تكن ممهدة، والإشكالية لم تقف عند صعوبة إقناع الأب المساهم في تأسيس جهاز الأمن، بتطلع ابنه إلى انتهاج الفن سبيلاً، بل الضربة الموجعة كانت أقرب من الخطوة التالية، حين فوجئ “النوباني” بفصله على خلفية اتهامه بالمشاركة في مظاهرة، فقرر تقديم مسرحية حول طرح الرأي العام وما يتعرض له، حضرها رئيس الجامعة آنذاك وفهم رسالتها، فأعاده إلى مقاعد المحاضرات حتى تخرج، محاولا الموازنة بين الواجبات الأكاديمية وهوايته، إلى درجة مبيته أحايين، خلف الستارة بعد ساعات المذاكرة، وقراءة السيناريوهات، في آن واحد .
محطات بارزة على الخشبة، دعمت تصاعده تدريجيا، منها “الأشجار تموت واقفة”، “الجرة المحطمة”، “حلاق بغداد”، “تاجر البندقية”، و”البلاد طلبت أهلها”، التي وضعته على بواكير تأسيس المسرح اليومي عام ،1987 وتحدي إمكانية حصده جمهوراً كامل العدد، ونجح فعلا عقب ثلاثة شهور من العروض الدؤوبة، خرج منها خاوي اليدين مادياً، بعدما اشترط صاحب القاعة حصوله على إيجار مرتفع، ونسبة كبيرة من الإيرادات، ذاتها اقتنصتها إدارة أحد المهرجانات، وتركت له الفتات، وواجه موقفاً مشابهاً حين عرض في القاهرة إلى جوار أعمال يقودها نجوم مصر، وأنفق على الرسوم والمصروفات المرادفة ما أضعف قيمة الدخل، وتلقى دعوة للذهاب إلى المغرب العربي تلاها اعتذار من جهة إرسالها، وقبيل اعتزامه السفر إلى الخليج، وقعت الحرب وأوصدت الأبواب أمام أفق أوسع . وفي خضم آمال فنية اصطدم “النوباني” - حسب قوله - بعراقيل عديدة، منها انسحابه من شراكة إنتاجية، وتحول خطته في إنجاز فرقة مسرحية أردنية، وحتى في فلسطين، إلى سراب على المدى الطويل، نتيجة “عدم صفاء النفوس”، ومع ذلك لم يستسلم عقب أزمة جمود حركة الفن الأردنية مطلع تسعينات القرن الماضي، ونال تكريماً رسمياً عن عمل مسرحي عقب اتهامه بأنه يفتح باب إثارة الشغب، لكن الوقع العام أحبطه، فغادر لمسقط رأسه عام ،1995 وأعاد تجسيد مونودراما “حال الدنيا” تحت عنوان “قصة صفية على لسان زوجها، شفيق الصخر” وذلك في قاعة “السكاكيني” الثقافية، ونتيجة “إجهاضات” موازية، رجع بعد ثلاث سنوات، واضعاً خطة خمسية، ينفذها من وقتها حتى الآن، مقتنعاً تماماً بأن تصفية الشركة الأردنية الحكومية للإنتاج، وبيع أشرطتها، ومحتوياتها، بثمن بخس، أكبر إخفاق في دعم المجال، ومعتبرا الإغراق في استخدام “التجريد المبهم” على المسرح، بمثابة تخريب .
صاحب ما يناهز ستين مسرحية بينها المونودراما الأولى محلياً “بقبق الكسلان” عام ،1972 والأولى للأطفال “الحمار الراقص” قبل سابقتها، ونحو 55 عملا في الدراما التلفزيونية، وغيرها إذاعياً .
المصدر : الخليج
|